محمد متولي الشعراوي
3183
تفسير الشعراوى
- سبحانه - لم يرد ذلك حتى لا يألف الناس العبادة وتصير كالعادة عندهم ، فحينما يألف الناس أداء العبادات ، فهم بذلك يحرمون لذة التكليف والإيمان بالتكليف ، فكان لا بد أن يأتي التشريع مناسبا لكل زمان . وذلك ليفرق بين قوم وقوم ، ففي الصوم - على سبيل المثال - نجد أن الحق يسمح لنا بالطعام والشراب والجنس في الفترة ما بين الإفطار والسحور ؛ فالحق يأتي إلى الشئ الرتيب ويأتي فيه أمر اللّه بالامتناع عنه لفترة زمنية معينة . ولا يقرب المؤمن هذه المحرمات في زمان معين ، ولا يقرب غيرها في أي زمان ومكان . مثل شرب الخمر ، أو أكل لحم الخنزير . والمؤمن لا يقرب هذه الأشياء بطبيعة اختياره . ويأتيه الصوم ليعلمه ويدربه على الانصياع للتكليف فيحرمه الحق من الطعام طول نهار شهر رمضان وكذلك الشراب والجنس . المسألة - إذن - ليست رتابة أبدا . بل هي ابتلاء واختبار البشر « وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ » والابتلاء - كما نعلم - ليس أمرا مذموما في ذاته ، هو مذموم باعتبار ما تؤول إليه نهايته ، وما دام سبحانه يبتلينا فيما آتانا فيجب أن نكون حكماء وأن نتسابق إلى الخير : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( من الآية 48 سورة المائدة ) والتسابق إلى الخيرات إنما يكون بهدف النجاح في الابتلاء ، والنجاح يعطينا أكثر مما ننال بعدم الانصياع . إذن فالابتلاء في مصلحتنا ؛ لأنه يعطى الناجحين فيه نجاحا أخلد ، وقصارى ما يزينه الشيطان للناس أو ما تتخيله نفوس الناس ، أن تمر الشهوة العابرة وتنقضى في الدنيا العابرة . وبعد ذلك يأتي العذاب المقيم . وعندما نوازن هذا الأمر كصفقة نجدها خاسرة ، لكن إن نجحنا في ابتلاء اللّه لنا فذلك هو الفوز العظيم : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » . أي تسابقوا في الوصول إلى الخيرات ، لأن الخير إنما يقاس بعائده ، فإياكم أن تفهموا أن اللّه حرمكم شهوات الدنيا لأنه يريد حرمانكم ، ولكنه حرمكم بعضا من شهوات الدنيا لأنها مفسدة . وكان التحريم لزمن محدود ليعطيكم نعيم ومتع الآخرة المصلحة في زمن غير محدود ، وهذا هو كل الخير .